لا بد وأنك تتذكرين موقفًا أو حادثًا لا يزال يثير فيك الشعور نفسه؟ حجم الغضب ذاته.. مساحة الحزن ذاتها.. كمية الألم ذاتها، وكأنك تعيشين التجربة نفسها مرارًا وتكرارًا كلما اجترها عقلك. يحدث ذلك لأن المشاعر لم تجد لنفسها مخرجًا تتحرر منه فبقيت عالقة في جسمك، فيما يُعرف بظاهرة تخزين المشاعر في الجسم.

أين تتخزن المشاعر في الجسم؟ ما هي المشاعر في المقام الأول؟ وما مصادرها وكيف تتشكل؟ عنوانين مهمة تساعدك في فهم آلية عمل المشاعر بطريقة مبسطة، وربطها بالأماكن التي تتجسد فيها، لنكشف ما يحدث خلف كواليس أجسامنا ونتحرر من ثقلها وألمها.

قبل الشروع في الحديث عن أماكن تخزين المشاعر في الجسم لابد وأن نتطرق إلى بعض العناوين المهمة.

ما هي المشاعر؟

المشاعر= أحاسيس الجسم + تفسير العقل (قصة يؤلفها العقل).

تنشأ المشاعر من مزيج ثنائي يتكون من أحاسيسنا الجسمانية وما يقصه عقلنا عن هذه الأحاسيس. تعمل أحاسيسنا الجسمانية كإشارات تُزودنا بمعلومات عمّا يحدث في الداخل أو في الخارج. ومع ذلك، كيفية إدراك عقلنا لهذه الأحاسيس ومعتقداتنا عنها هي ما يولّد أو يخلق مشاعر مُحددة بعينها.

على سبيل التوضيح: اختبرنا تجربة سلبية في الماضي، واليوم واجهنا موقفًا ذكّرنا بتلك التجربة، على الفور سيؤلف عقلنا قصة مخيفة أو حزينة عنها، وستتولد مشاعر مشابهة لها. ومن جانب آخر، إذا فسرنّا الموقف بطريقة إيجابية سيؤلف عقلنا سردية سعيدة تصاحبها مشاعر ذات صلة.  

ما هي مصادر مشاعرنا؟

تشير الدكتورة Megan Anna Neff إلى أن مشاعرنا تنشأ من عوامل مختلفة تتفاعل فيما بينها، أبرزها:

  • النشاط الدماغي: فاللوزة الدماغية والحصين وقشرة الفص الجبهي تلعب دورًا مهمًا في توليد المشاعر وتنظيمها.
  • النواقل العصبية: وهي عبارة عن مواد كيميائية في الدماغ، مثل السيروتونين والدوبامين، تساعد الخلايا العصبية على التواصل، وترتبط بمشاعر مثل السعادة أو الخوف أو التوتر.
  • الوراثة: تحدد العوامل الوراثية تركيب الدماغ الكيميائي وكيف يستجيب للمواقف المختلفة.
  • الثقافة والبيئة: تؤثر العادات والقيم الثقافية والاجتماعية على التعبير عن المشاعر أو كبتها. كذلك تؤثر العوامل البيئية كالأوضاع الأسرية الاجتماعية والاقتصادية على مشاعرنا.
  • التجارب السابقة: تشكل التجارب الشخصية والذكريات والسلوكيات على مشاعرنا وردود أفعالنا إلى حدٍ كبير.

لذلك تحديدًا،  قد تختلف ردود أفعال الأشخاص إزاء الموقف نفسه حتى ضمن العائلة الواحدة. فمثلًا سيارة مسرعة تقطع الطريق أمام سائقين، أحدهم قد يغضب ويطلق الشتائم، وآخر يزفر ويقول لنفسه: ربما مستعجل لأمر مهم.

كيف تتشكل المشاعر؟

تتشكل مشاعرنا في اللوزة الدماغية وفقًا لموقع PsychologyToday، وهي التي تحدد طبيعة الموقف الذي نواجهه، أهو خطر؟ ممتع؟ مقلق؟

ثم تتدخل القشرة الأمامية، مركز اتخاذ القرار، لتفسير هذه الإشارات وتنظيم استجابتنا وطريقة تفاعلنا مع الموقف.

ما هي المشاعر الأساسية عند الإنسان؟

يمكن تقسيم المشاعر إلى نوعين:

المشاعر الإيجابية: مثل السعادة والحب والفخر، وهي مشاعر تشعرك بالتوسع أو الامتلاء والنمو النفسي.

المشاعر السلبية: كالخوف والغضب والحزن والاشمئزاز، تُصاحبها حالة من عدم الارتياح حتى نوجه انتباهنا إلى أمرٍ مهم.

أماكن تخزين المشاعر في الجسم

هل يقوم الجسم بتخزين المشاعر فعلًا؟

بمعنى ما نعم.

هذا ما نشره موقع Medical News Today، فمن المؤكد علميًا أن المشاعر كما تؤثر على الجسم تؤثر أيضًا على العقل. فإذا كان الشخص يعاني من مشاعر مستمرة دون معالجتها أو فهمها، من الجائز أن تظهر على شكل أعراض في الجسم، تجعل الشخص يشعر وكأن هذه المشاعر عالقة أو مكبوتة. فمثلًا نشعر بـ:

– التوتر كشدٍ عضلي.

– القلق كاضطراب في المعدة.

– الحزن كضغط على الصدر.

يطلق الباحثون على هذه الظاهرة اسم “المشاعر المتجسدة” (Embodied Emotion)، أي أن أجسامنا تعكس ما يحدث في داخلها. وليس بالضروري أن تكون هذه المشاعر واعية، فقد تكون لاواعية، خارج نطاق وعينا، وهنا أسوأ ما في الأمر، إذ تستمر بالتأثير على أجسامنا دون أن نعي بذلك.

يرى العلماء أن السبب يعود إلى طريقة معالجة الدماغ والجهاز العصبي للمشاعر، أما الآلية الدقيقة لحدوث ذلك لا تزال قيد البحث.

وتقترح “فرضية المؤشر الجسدي” (Somatic Marker Hypothesis) أن الأحاسيس في الجسم ليست عابرة، بل إشارة تنبيه إلى وجود شعور يحتاج أن نوليه اهتمامنا.

ماذا يحدث عندما يخزن الجسم المشاعر؟

ما يُقال عن أماكن تخزين المشاعر في الجسم لا يعني حرفيًا أنها محفوظة داخل العضلات، بل يُقصد بها مشاعر لم يتم معالجتها، وبالتالي تصبح استجابة الجسم للتوتر نشطة.

إن استجابة “القتال أو الهروب” لدى الإنسان مُصممة لفترة زمنية قصيرة، في أثناء حدوثها يفرز الجسم هرمونات التوتر ويرتفع معدل ضربات القلب وتنشد العضلات لمجابهة التهديد الواقع. لكن عندما تُكبت المشاعر يبقى الجسم في هذه الحالة المتأهبة للقتال أو الهروب لفترة طويلة، ونتيجة لذلك قد تظهر بعض الأمراض الفيزيولوجية.

دارسات تؤكد على تخزين المشاعر في الجسم

أظهرت دراسة نُشرت في سنة 2014، شارك فيها أشخاص من أوروبا الشرقية والغربية، أن الناس على الرغم من اختلاف ثقافاتهم يشيرون إلى مناطق متشابهة في الجسم في أثناء اختبار مشاعر معينة. طُلب من المشاركين تحديد مواضع “التنشيط” أو “الخمول” على أجسامهم، وكانت النتائج متقاربة عبر البلدان.

وغالبًا ما ينتاب الناس المشاعر التالية:

  • الغضب في الرأس أو الصدر.
  • الاشمئزاز في الفم والمعدة.
  • الحزن في الصدر أو الحلق.
  • القلق في الصدر والأمعاء.
  • الخجل في الوجه والصدر.

تؤكد هذه التجربة على أن للمشاعر أبعاد ملموسة أخرى تتجسد في أجسامنا.

الآن، وبعد أن رأينا كيف تتجسد المشاعر في الجسم وفق الدراسات، يبرز السؤال التالي كيف يمكننا التعامل مع هذه المشاعر وتحرير التوتر الذي قد يتراكم في مناطق مختلفة من أجسامنا؟

أين تظهر المشاعر والتوتر في الجسم؟ وكيف نحررها؟

نشر الأخصائي الاجتماعي والمعالج النفسي، شون غروفر، الذي يمتلك إحدى كبرى عيادات العلاج الجماعي في الولايات المتحدة، أن مناطق تخزين المشاعر في الجسم توجد في المناطق التالية:

1- الغضب في أسفل الظهر

إن أسفل الظهر هو مكان تخزين الغضب المكبوت وفقًا لشون غروفر، حيث يرافقه الشعور بالاحباط.

كيف تحررين مشاعر الغضب؟

تعلمي التعبير عن الإحباط بطريقة بناءة وحل الخلافات مع الآخرين، إذ من الضروري تحويل طاقة الغضب إلى طاقة إيجابية لحياة نشطة ومُرضية. اسعي لتحويل الغضب إلى حزم والتعبير عنه بطريقة بناءة، الأمر الذي سيعزز من ثقتك بنفسك ويوطّد علاقاتك الصحية.

2- الخوف في المعدة والأمعاء

مع الشعور بالخوف نميل إلى شد عضلات المعدة والأمعاء، لذلك نستخدم عبارات مثل “انقلبت معدتي”، وكلما أنكرت الخوف زادت ردة فعل الجسم.

كيف تتحررين من مشاعر الخوف؟

اعترفي بمشاعرك وتحدثي عنها مع شخص تثقين به، فكلما استطعت التعبير عن الخوف بالكلام انخفضت سيطرته على جسمك.  

3- الألم في القلب والصدر

بعض الآلام في القلب والصدر سببها نفسي، مثل حزن لم تعترفي به وتعمدت تجاهله. فبعض النساء مثلًا لا يقمن الحداد كما يجب على من فقدوهم، أو لا يسمحون للحزن عما خسروه أو عاشوه أن يجد مخرجًا له.

كيف تتحررين من مشاعر الألم والحزن؟

الاعتراف بالألم، البكاء، الحداد، يجب تنفيس ما تشعرين به من حزن حتى يزول التوتر عن صدرك وقلبك.

4- فقدان السيطرة في الرأس

يواجه الأشخاص الميالون إلى السيطرة تحدياتٍ حقيقية، فالتركيز على السيطرة، مهما بلغت قوة إرادتك، تؤدي إلى الإرهاق والصداع النصفي (الميغرين).

آلية التحرر

بعض المواقف تتطلب منّا التخلي عن السيطرة، مثل نظرية (Let It Go)، فإذا كان هناك حل للمشكلة ستحلها، وإن لم يكن هناك حلٌ دَعْ المسألة. إن تطوير ممارسة اليقظة الذهنية والعيش في الحاضر ما أمكن من الممارسات العملية للتخلص من الصداع.   

5- الشد في الرقبة والكتفين

تراكم الأعباء والمسؤوليات تسبب الآلام في الرقبة والكتفين. فقد تجدين نفسك فجأة مثقلة بمسؤوليات العمل والمنزل والأطفال والمصاريف والتربية، وبدلاً من طلب المساعدة من الآخرين تفضلين القيام بكافة الأمور وحدك.

آلية التحرر

استقبلي المساعدة من الآخرين، وتعلمي توكيل المهام وطلب الدعم ومشاركة المسؤوليات مع الآخرين.

6- الاستياء في الجسم كله

يرهق الاستياء جسمك بأكمله، ويلحق بك الضرر أكثر من الأشخاص الذين تُكنين لهم الضغينة أو تشعرين إزاءهم بالاستياء. إلقاء اللوم على الآخرين ولعب دور الضحية وعيش الأحداث الماضية المؤلمة مجرد عبث لا طائل منه.

كيف تتحررين من الاستياء؟

التسامح هو مفتاحك إلى بوابة التشافي وعيش الحاضر ببهائه وجماله، أو على الأقل تجاوز الماضي، واعتباره درسًا لتطوير وعيك ونموك الشخصي. اسعي إلى علاقات ناضجة وأكثر إرضاءً واحرصي على الاهتمام بنفسك.

7- تخدر المشاعر والصدمات

عندما يقع لنا حادث أو ألم يفوق قدرتنا على التحمل نميل إلى تخدير مشاعرنا. والأحداث الصادمة قد لا تكون دائمًا مهددة للحياة، فقد يكون حجم الخطر متخيّل، أو إهمال في مرحلة الطفولة.

 وإذا لم تعالج الصدمة تبقى ذكراها عالقة في الجسم، فيصبح من الصعب الثقة بالآخرين أو بناء علاقات حميمية.

آلية التحرر

الاعتراف بتأثيرها عليك وطلب المساعدة من خبراء.

8- القلق وصعوبة التنفس

يؤدي القلق المستمر إلى صعوبة في التنفس، وقد تنتابك نوبة هلع من جراء ذلك. وهذه أعراض شائعة لدى الأشخاص الذين يكبتون حزنًا عميقًا. فهم لا يرغبون في البكاء.. يخفونه.. ينشغلون بأمور أخرى.. يرغبون بالظهور مظهر الأقوياء الأشداء.

آلية التحرير

عندما تبكين وتتدفق الدموع بغزارة ستشعرين بالألم والراحة في الوقت نفسه، فتحرير الحزن المكبوت يشبه استنشاق جرعة كبيرة من الأوكسجين النقي.

9- القمع في الحلق

“اسكتي” و “لا تفتحي فمك” عبارات يُضطهد فيها غالبًا النساء والأطفال. فالنشوء ضمن بيئة قمعية يؤدي إلى أن تنشئي وفي داخلك ناقدة لاذعة ولا سيما لشخصك. ومع البلوغ تصبحين ميّالة إلى كبت مشاعرك وعدم التعبير عن رأيك. وهذا الصراع ما بين الرغبة في الكلام والكبت يخلق توترًا يتجسد كمشاكل في الحلق والصوت.

آلية التحرر

التدوين وكتابة اليوميات وسيلة رائعة لكشف الناقد الداخلي ومواجهته، وقراءة الشعر حيث للشعر صلة عميقة باللاوعي كوسيلة لتعزيز الثقة في صوتك.

لقد أصبحت الآن أكثر وعيًا بمناطق تخزين المشاعر في الجسم وطرق التحرر منها. الآلية ليست بسيطة لكنها ليست مستحيلة، فعندما نصبح أكثر وعيًا بالآلام في أجسامنا أو بالمشاعر التي تنتابنا يمكننا تحديدها فنفتح لها المساحات اللازمة للعبور.

كل حزن تسمحين لنفسك بالشعور به، كل بكاء، كل صراخ، كل اعتراف هو خطوة نحو التحرر، لفتح مساحات أكبر يزهر فيها سلامك الداخلي. ليكن جسمك مرآة يعكس ما بداخلك، ووعيك هو النور الأول للتطهير.  

المصادر:

Psychology Today

Neurodivergent Insights

Emotion – Psychcology Today

Where Do You Store Stress in Your Body?

اقرئي أيضًا:

دليل تقنيات التنفس لتهدّئة جهازك العصبي في دقيقتين

الخوف من المجتمع: ما هي جذوره.. وكيف نتحرر من سطوته؟

كيف تمارسي كتابة اليوميات لتفريغ المشاعر وفهم الصدمات