ليليث: أسطورة أول امرأة رفضت الطاعة والخضوع

ليليث.. لعلها أحد أكثر الشخصيات الأسطورية المثيرة للجدل، فمن شيطانة خطرة إلى رمز القوة الأنثوية والتمرد والاستقلال في العصر الحديث.

ومن ملحمة جلجامش مرورًا بالتراث اليهودي وصولًا إلى الحركة النسوية المعاصرة، مرت ليليث بتحولات عديدة، كان آخرها بأقلام وتصورات النساء، حيث ظهرت كامرأة قوية و«سيدة الأنوثة المظلمة»، امرأة ترفض الخضوع وتدافع عن حقها في الاختيار.

ما قصة ليليث؟ وما هذه التحولات التاريخية؟ وكيف تغيرت صورتها عبر آلاف السنين؟

في هذا المقال، نعود إلى جذور أسطورة ليليث، ونتتبع تحولاتها عبر القرون، ونكشف عن قصتها كزوجة آدم الأولى، ثم إلى عودتها رمزًا نسويًا مع الحركة النسوية المعاصرة.  

من هي ليليث؟

إن ليليث شخصية أسطورية ظهرت في نصوص مختلفة عبر فترات تاريخية، وفي مناطق متعددة. لقد ارتبطت صورتها بالمرأة التي رفضت الخضوع للنظام الأبوي، وبالقوى الأنثوية المظلمة والشريرة.

ولعلّ أول ظهور لاسم ليليث كان في ملحمة جلجامش ببلاد الرافدين، وقد عُثر لها على نقش حجري في سوريا يعود إلى القرنين السابع أو الثامن قبل الميلاد.

أما ظهورها الأبرز فكان في التراث اليهودي، كزوجة آدم الأولى قبل حواء. لقد رفضت ليليث الخضوع لآدم فغضب الله عليها، هربت إلى البحر الأحمر، مغادرة الجنة إلى الأبد.

في فترات لاحقة، ألقت ليليث الرعب في قلوب الناس، إذ تحولت إلى مغوية الرجاء الأبرياء، ووحش الليل قاتلة الأطفال، ولّادة الأرواح الشريرة1.

شكل ليليث

يشير الموروث اليهودي إلى وصف بسيط جدًا لشكل ليليث؛ امرأة بشعر طويل وأجنحة2.  ووصفت النصوص ليليث بأنها من عالم الشياطين والأرواح الليلية، وفي مصادر لاحقة بملكة الشياطين، امرأة فاتنة ذات شعر طويل، تتحرك ليلًا وتزور من ينام وحيدًا.

إلا أن فنانو العصر الفيكتوري أعادوا تقديمها بطريقة جديدة ومختلفة كليًا: امرأة شديدة الجمال والإغواء، لكن جمالها ينطوي على شيء من الخطر. ومن أشهر الصور التي رسخت هذه الهيئة لوحة «Lady Lilith» للفنان دانتي غابرييل روزيتي في القرن التاسع عشر3.

وهكذا، بات شكل ليليث حاليًا يمزج ما بين الموروث اليهودي القديم والرؤية الفنية الحديثة: امرأة جميلة ذات شعر طويل، مع أجنحة في بعض التصويرات، تجمع ما بين الجاذبية والخطر والتمرد.

لوحة ليليث بريشة الفنان دانتي غابرييل روزيتي

رمز ليليث

يرتبط بشخصية ليليث العديد من الرموز التي تعكس نشأتها وتحولاتها وسماتها، وهي:

الهلال والصليب: رمز حديث أصبح متداولًا اليوم باسم رمز ليليث أو ختم ليليث، يتكون من هلال في الأعلى وصليب في الأسفل. يرمز إلى الاستقلال والرغبة والتمرد والقوة الأنثوية والغموض.

اللوتس: يرمز إلى ولادة ليليث الروحية من جديد بعد العار والتشويه.

البومة: تشير إلى التصويرات القديمة لليليث كشخصية مجنحة.

الأفعى: ترمز إلى قصة نشأة ليليث، وتمردها، وتحولها.

القمر المظلم: يمثل “القمر الجديد” وتمكين ليليث.

الختم الكبير: يجمع عدة رموز لليليث ويرمز إلى الاستقلالية.

ما معنى اسم ليليث؟

بالعودة إلى جذوره اليهودية فإن الاسم مشتق من كلمة “ليلة” أي “الليل”. ومن المتفق أن أصل اسم ليليث بدائي وله أصول مشتركة أكادية وسومرية، حيث تشير كل من الكلمتان “ليلي” و”ليليتو” إلى “الأرواح” أو “أرواح الليل”4.

اختبار الشخصية الأسطورية: من أنت – أرتميس أم أثينا أم هيرا؟ انقري هنا للاختبار

قصة ليليث عبر العصور

ترتبط بليليث بعض التصورات والحكايات، إلا أن أشهرها القصة التي ظهرت في التراث اليهودي كزوجة آدم الأولى قبل حواء. أما بداية ظهورها على مسرح الحكايات فكان في ملحمة جلجامش.

يظهر أقدم ذكر لاسم ليليث في قصيدة سومرية تُعرف باسم «جلجامش وشجرة الهولوبو»، تعود إلى نحو 2000 قبل الميلاد. تظهر ليليث فيها كشيطانة.

تروي القصيدة أن الإلهة إنانا كانت تعتني بشجرة صفصاف قرب الفرات، لكنها تكتشف أن مخلوقات مختلفة استوطنتها. عند جذع الشجرة يستقر تنين، وأعلاها طائر الزو، وفي منتصفها بَنَتْ الشيطانة ليليث بيتها.

يأتي جلجامش لمساعدة إنانا، فيقتل التنين، ويهرب الطائر، بينما ليليث تهرب إلى الصحراء.

« وبنت ليليث، الفتاة المظلمة، مسكنها في جذع [هولوبو]…

ضرب جلجامش الأفعى التي لم تُسحر.

طار طائر أنزو مع صغاره إلى الجبال؛

وحطمت ليليث مسكنها وهربت إلى الأماكن البرية المهجورة».5

ففي البدايات، ارتبطت ليليث بالليل والبرية والخطر، وبكائن أنثوي خارق للطبيعة، أكثر من كونها الشيطانة التي ستصفها بها النصوص لاحقًا.

بعد بضعة قرون، اكتسبت ليليث في بلاد ما بين النهرين مكانة إلهية، ربما بتأثير من الكنعانيين الذين أطلقوا عليها اسم بعلات أو “السيدة الإلهية”، فقد ظهر أول تمثيل تصويري لليليث على لوحة طينية تُعرف باسم “نقش بيرني”. وكانت فيها ليليث رشيقة، ذات قوام جميل، عارية، ولها أجنحة وأقدام تشبه أقدام البوم. تقف منتصبة على أسدين مستلقيين، يحيط بها بوم. وعلى رأسها قبعة مُزينة بعدة أزواج من القرون. وفي يديها خاتم وعصا. من الواضح أنها لم تعد شيطانة، بل إلهة تُروض الوحوش البرية، وكما يُظهر البوم على النقوش، تحكم في الليل.5

إلا أن بعض الباحثين يقولون بأنها إنانا السومريين أو عشتار الأكاديين، وليست ليليث.

لا يظهر اسم ليليث في الكتاب المقدس إلا مرة واحدة، في سفر إشعياء، الإصحاح 34. يصف النص أرض أدوم بعد خرابها، كأرض مقفرة تسكنها الحيوانات والكائنات المرتبطة بالبرية، ويقول: «تلتقي الوشق بالضباع، وتلتقي شياطين الماعز ببعضها البعض، وهناك أيضًا تستريح ليليث، وتجد لنفسها مكانًا للراحة».

لا يقدم النص أي قصة عن ليليث، ولا يقول إنها كانت زوجة آدم، ولا يشرح من تكون.

واللافت أن الترجمات الإنجليزية اختلفت في نقل الاسم. من «بومة صرّاخة»، إلى ترجمات أخرى مثل «عجوز الليل» أو «وحش الليل». أما النص العبري فيستخدم كلمة ليليث نفسها.

ثم تظهر ليليث مجددًا في مخطوطات البحر الميت التي عُثر عليها في قمران. وكانت طائفة قمران اليهودية منغمسة في علم الشياطين، وجاء ذكر ليليث في ترنيمة الحكيم، ومن الجائز أنها ترنيمة لطرد الأرواح الشريرة:

« وأنا، الحكيم، أُعلن عظمة جماله لأرعب وأُربك جميع أرواح الملائكة المُدمرة والأرواح الشريرة، والشياطين، وليليث…، وتلك التي تضرب فجأة، لتُضل روح الفهم، وتُقفر ​​قلوبهم».

ثم ذكر التلمود البابلي ليليث بإشارات قليلة، تشبه الصور البابلية القديمة، ليليث ذات الشعر الأسود والأجنحة. كما يعزز التلمود صورة ليليث كـ”سوكوبوس”، وهي شيطانة في هيئة أنثى تُمارس الجنس مع الرجال أثناء نومهم. وترتبط الممارسات الجنسية غير السوية بليليث التي باتت تُجسّد بقوة أسطورة العاشقة الشيطانية.

في وقت ما قبل عام 1000 ميلادي، ظهرت «أبجدية بن سيرا» في أوساط اليهود في العصور الوسطى. تضم الأبجدية 22 قصة، وفي القصة الخامسة تذكر ليليث كمدمرة، تستطيع الطيران، ولديها ميول جنسية.

لكن هذه الحكاية تُضيف بعدًا جديدًا لم يُذكر من قبل: إنها الزوجة الأولى لآدم، قبل حواء، التي غادرت عدن بجرأة، لأنها كانت تُعامل كأقل شأنًا من الرجل.

والقصة كما جاءت في كتاب الأبجدية كالتالي:

كان ابن الملك نبوخذ نصر ملك بابل مريضًا، فأمر أحد رجال الحاشية يُدعى بن سيرا بعلاجه. فاستحضر بن سيرا اسم الله، ونقش تميمةً بأسماء ثلاثة ملائكة للشفاء.

ثم روى قصة كيف جابت هذه الملائكة العالم لإخضاع الأرواح الشريرة، مثل ليليث، التي تُسبب المرض والموت. واستشهد بن سيرا بنص من الكتاب المقدس يُشير إلى أنه بعد خلق آدم، أدرك الله أنه ليس من الخير أن يكون الإنسان وحده (تكوين 2: 18).

وفي إضافات بن سيرا الخيالية للقصة التوراتية، خلق الله شخصًا آخر من الأرض، أنثى تُدعى ليليث. وسرعان ما بدأ الزوجان البشريان في الشجار، لكن لم يُصغِ أيٌّ منهما للآخر. رفضت ليليث أن تكون تحت آدم أثناء الجماع، لكنه أصرّ على أن مكانها الصحيح هو الأسفل. يبدو أنه يعتقد أن على ليليث أن تؤدي واجبات الزوجة بخضوع. أما ليليث، من جانبها تؤكد على حريتها الشخصية. تقول ليليث: “نحن متساويان لأننا مخلوقان من الأرض”.

يستمر الصراع بين ليليث وآدم حتى تفقد صبرها وتنطق بجرأة باسم الله الأعظم (التتراغراماتون)، وهو الاسم الذي لا يُنطق به أحد سوى رئيس الكهنة وحده جهرًا، مرة ​​واحدة في السنة فقط، في يوم الغفران.

بهذا، ارتكبت ليليث الخطيئة بنطق اسم الله المقدس، والنطق بالاسم قد منحها القدرة على الطيران، فتغادر الجنة وتطير بعيدًا.

أخبر الله آدم أنه إذا لم تعد ليليث، فسيموت مئة من أبنائها كل يوم. ويبدو أن ليليث لم تكن مجرد ساحرة قاتلة للأطفال، بل كانت أيضًا أمًا خصبة بشكل مذهل.

أُرسل ثلاثة ملائكة للبحث عن ليليث. وعندما وجدوها عند البحر الأحمر، رفضت العودة إلى عدن، مدعيةً أنها خُلقت لالتهام الأطفال. وتشير قصة ابن سيرا إلى أن ليليث كانت مدفوعة لقتل الأطفال انتقامًا لسوء معاملة آدم وإصرار الله على قتل مئة من نسلها يوميًا.

عودة ليليث – النسويات يُعِدن اعتبارها ويُحيين مجدها

من شيطانة مغوية ومدمرة إلى رمز الاستقلال ووضع الحدود والحق في الاختيار والمساواة. إنها نقيض المرأة التقليدية المطيعة والخاضعة التي لا صوت لها.

ليليث أصبحت صوت المرأة التي تقول: لا.

ليليث المرأة التي تتقبل ظلها ونورها، ولا تخجل من جسمها وجمالها ورغباتها.

عادت ليليث بأقلام النساء هذه المرة، فأنصفوها بعيدًا عن الأدوار والأحكام التي رسمها النظام الذكوري، الذي عاقب امرأة لمجرد أنها رفضت الطاعة والخضوع، لأنها دافعت عن حقها في الاختيار والمساواة.  

في عام 1976، أطلقت الحركة النسوية اليهودية مجلة ليليث، التي تتناول قضايا النساء من المنظور النسوي اليهودي.

واليوم، تظهر ليليث في صفحات التواصل الاجتماعي كرمز للتمرد والاستقلال والقوة الأنثوية، كما ارتبط اسمها بمفهوم «الأنوثة المظلمة» في بعض الخطابات المعاصرة.

المراجع:

1-https://greenlit.com/project/unholy-trinity/updates/who-was-lilith-and-why-her-story-so-important

2- https://jwa.org/encyclopedia/article/lilith

3- https://victorianweb.org/gender/lilith.html

4- https://www.mezzoguild.com/lilith/

5- https://ac.nau.edu/omeka-s/s/lilith/page/mesopotamian-origins

6– https://www.biblicalarchaeology.org/daily/people-cultures-in-the-bible/people-in-the-bible/lilith/

7- https://vidawheel.com/blogs/vidawheel-goddess/lilith-goddess-symbol-meaning?srsltid=AU7gw4UF6o1nmLcaj7NmMusn3dGjoSZvnCUtBSjU0Mkj9f5T4GXI08W6

اقرئي أيضًا:

إيناس الدالاتي: جسم المرأة والتحرر من العار – رحلة تشافي

تمرين المرآة: من لويز هاي لتعزيز حب الذات والثقة بالنفس

7 أمور عن جسم المرأة وكأنها من الخيال العلمي

ماريان إسماعيل

ماريان إسماعيل كاتبة ومترجمة سورية، تحمل شهادة الماجستير من جامعة نالتشك بروسيا الاتحادية. نشطت في كتابة وترجمة الدراسات والنصوص والمسرحيات، ونُشرت أعمالها في عدد من المجلات والمواقع الإلكترونية العربية. مؤسسة منصة امرأة ميتا، وتشرف على محتواها وتوجهها الفكري لدعم الوعي الأنثوي والتمكين.

Recent Posts

إيناس الدالاتي: جسم المرأة والتحرر من العار – رحلة تشافي

من مذكرات امرأة شرقية، تبدأ رحلة التشافي من الجسد. حكاية عن صوت أُسكت، وملامح أُخفيت،…

3 أسابيع ago

تمرين المرآة: من لويز هاي لتعزيز حب الذات والثقة بالنفس

خطوات بسيطة.. تمارين صغيرة.. قادرة على إحداث تغيير كبير في حياتك، فتمرين المرآة بالرغم من…

4 أسابيع ago

7 أمور عن جسم المرأة وكأنها من الخيال العلمي

أجسام النساء مذهلة إلى حدٍ كبير! فجسم المرأة يتمتّع بقدرة فريدة على التكيّف والتنظيم والتحوّل…

شهر واحد ago

حجر القمر: الخصائص والدلالات وعلاقته بالتشاكرات والأبراج

منذ آلاف السنين، والناس ينظرون إلى حجر القمر بإعجاب شديد، وكأنه فعليًا حجر سماوي سقط…

4 أشهر ago

العناية بالنباتات وتعزيز الطاقة الأنثوية: 5 فوائد ساحرة

لا تقتصر فوائد العناية بالنباتات على جمال المساحات في منازلنا، وإنما تمتد لتلامس حالتنا النفسية…

7 أشهر ago

أين تتخزن المشاعر في جسمك؟ 9 مناطق رئيسية

لا بد وأنك تتذكرين موقفًا أو حادثًا لا يزال يثير فيك الشعور نفسه؟ حجم الغضب…

7 أشهر ago